محمد العامري الغزي
108
المطالع البدرية في المنازل الرومية
فلم نزل في حطّ وتر حال ، ووخد وإرقال « 1 » ، إلى أن وصلنا إلى محلّة ابن أوكي « 2 » وقت الضحى العال ، من يوم الأحد ثالث عشرين شوال ، وهو مرج كبير ذو عشب كثير ، قد بسط الغيث به بساطا أخضر ، بحيث لا يكاد شيء من سواد أرضه يرى ، وبجانبه قلعة لطيفة منقورة في جبل عالية الموضع سامية « 3 » المكان مرتفعة المحل ، وهو معد لرعي الخيول السّلطانية وتربيتها وإصلاح شأنها وتنميتها ، وبأسفله اصطبلات برسم تلك الخيل « 4 » تصان بها وتأوي إليها في الليل ، ثم رحلنا وقت الظهيرة من تلك المحلّة المذكورة ، ولم نزل نسير وقد جدّ المسير ، وحمى الهجير ، وكاد أن يبلغ الغبار الكثير الفلك الأثير ، فلما تضمّخ جيب الأصيل بالعبير ، وسقطت الشمس من الغرب على خبير ، بعد أن عراها من خوف هول « 5 » ذلك الحال اصفرار ، وأعقبت من شفقها في الأفاق لون الاحمرار ، وصلنا حينئذ إلى محلّة أرمني بازار ، وهي قصبة حسنة العمارة ، بها [ 52 أ ] مسجد لطيف ومنارة ، فنزلنا بظاهرها منزلا تشتهيه الأنفس وتلتذه « 6 » الأعين ، وتسبّح من حسنه الأفواه والألسن ، فسيح الأرجاء ، واسع الأنحاء ، صحيح الهواء ، به أعين زائدة الخصر والعذوبة ، فوق الغاية المطلوبة والحالة المرغوبة ، وبتنا في مقعد هناك معظم عال ، مركب على عين تجري بماء عذب زلال ، فلما ابتسم ثغر الأفق بعد الوجوم ، وفاض نهر المجرة على حصباء النجوم ، نبهنا أيدي المطي عن سنة السكون ، وحركنا منها ما كان مبينا على السكون ، ورحلنا من ذلك
--> ( 1 ) الوخد والإرقال : الإسراع ، أو أن يرمي البعير بقوائمه كمشي النّعام . ( القاموس المحيط 414 ، 1302 ) . ( 2 ) محلة ابن أوكي : ذكرها القرمانيّ عرضا : « سلطان أوكي » وهي على شاطيء نهر يكي شهر الآتي ذكرها بينكي شهر ، ولعلها هي ذاتها التي مرّ به الرحالة المشهور بكبريت من نواحي ينكي شهر وسمّاها بلدة السّلطان غازي ، سميت باسم فاتحها ، انظر : أخبار الدول 3 : 37 ورحلة الشتاء والصيف 1 : 190 . ( 3 ) وردت في ( ع ) : « شامية » . ( 4 ) وردت في ( ع ) : « الخيول » . ( 5 ) سقطت هذه الكلمة من ( ع ) . ( 6 ) وردت في ( ع ) : « وتليذه » .